بسم الله الرحمن الرحيم
*** قيــام الليــل ***
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ابن عبد الله وعلى اله وصحبه ومن ولاه ...والله يا أحبتي : إن قيام الليل من أهم وأكمل عوامل الاعتقاد الإيماني يقول الله ممتدحاً المؤمنين (كانوا قليلاً من الليل مايهجعون وبالأسحار هم يستغفرون )سورة الذاريات أيه(17_18)
ويقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً الرسول صلى الله عليه وسلم (يأيها المزمل (1)قم الليل إلا قليلا (2)نصفه أو انقص منه قليلا(3)أو زد عليه ورتل القران ترتيلا(4)إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً(5) سورة المزمل
فقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم بقيام الليل وهو الذي قد غُفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر.
ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى معلقاً على هذه الآيات {حين يطول الأمد, ويضعف الجود,قد يضعف الصبر, الصبر على الطاعات,والصبر على بعد الشقة,والصبر على انتفاش الباطل,والصبر على التواء النفوس,والصبر على الطريق الشائك,وهناً للقلوب وثقلة العناد}
واعلموا أحبتي :أن لليل أسرار مع عباد الله منهم من يقضيه تسبيحاً وقراناً ودعاءً لله سبحانه وتعالى وصلاة وتقرباً إلى الله عز وجل ولذةً في مناجاته قال الله تعالى (أَمّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اللّيْلِ سَاجِداً وقائما يَحْذَرُ الآخرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنّمَا يَتَذَكّرُ أُوْلُو الألْبَاب
سورة الزمر أيه (9)
ومن الناس من يقضي الليل في معصية الله سبحانه وتعالى يقضيه في غناء وطرب وسهر وشرب خمرٍ إلى غير ذلك .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم (نعم الرجل عبدُ الله لو كان يصلي من الليل)
فأنتي أخيتي نِعّمَ المرأة لو كنتي تصلي من الليل
فالليل مدرسة الصالحين,الليل انس المحبين,وروضة المشتاقين يحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها,حتى إذا ماجنهم الليل واختلط الظلام ونُصِبت الفُرش قاموا فنصبوا إلى الله أقدامهم وافترشوا على الأرض جباههم وناجوا ربهم,وقرءوا قرأنه وطلبوا إحسانه وإنعامه وإن أول مايعطيهم ربهم أن يقذف في قلوبهم من نوره.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم{عليكم بقيام الليل فإنه من دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم ومطردةُ الداء عن الجسد}
فقيام الليل من سمة الصالحين,فأين أنتِ يا من ضيعتي الليل كله في مشاهدة المسلسلات والتنقل بين القنوات الفضائية والمباريات ولم تركعي لله ركعة ولم تفتحي كتاب الله عزّ وجل أو كتاب من كتب أهل العلم... فإن لم تستطيعي أُخيتي قيام الليل فأبدي ولو ساعة بعد صلاة العشاء فتعتبر هذه أيضاً من قيام الليل في أول الليل قبل النوم
أما عن أفضل صلاة الليل فهي الثلث الأخير من الليل وذلك لنزول الرب سبحانه وتعالى تنزلاً يليق بجلاله عزّ وجل ليقول أنا الملك من الذي يدعوني فأستجيب له من الذي يسألني فأعطيه,من الذي يستغفرني فاغفر له, فلا يزال كذالك حتى يضيء الفجر.
فما أحوجنا أخيتي إلى هذه السهام التي لا تتوقف أبدآ....
قال الله تعالى (َإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)
إنه الروح والندى في الضلال الهاجرة, إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود, إنها الراحة والسلوى,إنها زاد الطريق,إنه انطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير إلى مجال الواقع الكوني الكبير.
وقد نجح الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته ونجح أصحابه من بعده في هذه الدعوة لأنهم كانوا لهم نصيب وأي نصيب من الليل...وإذا تأملنا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لنجد أن سيرته مليئة بتلك المواقف التي كان الرسول فيها يقوم الليل.
روى ابن مرضويه عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمرإلى عائشة رضي الله عنها فدخلنا عليها وبيننا وبينها الحجاب:وقالت ياعبيد ما يمنعك من زيارتنا فقال: ابن عمر رضي الله عنه ذرينا أخبرينا بأعجب ما رأيتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت الصديقة بنت الصديق وقالت: والله إنّ أمره كان كله عجبا, أتاني في ليلة حتى مس جلده جلدي ثم قال: يا عائشة ذرِّيني أتعبد الله عزّ وجل فقالت: فقلت والله إني أحب قربك يا رسول الله , وإني أحب أن تعبد ربك فقام عليه الصلاة والسلام إلى القربة فتوضأ حتى بلّ لحيته ثم سجد فبكى حتى بل الأرض ثم اضطجع على جنبه وبكى, حتى أتى بلال يوقظه لصلاة الصبح, فقال يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر فقال عليه الصلاة والسلام: ويحك يا بلال وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله علي في هذه الليلة (إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب)سورة آل عمران آية(190)
وكان السلف الصالح أيضاً كان لهم عجبٌ في قيام الليل وصلاتهم وتقربهم إلى الله عزّ وجل , وكان أحدهم يستحي أن ينام الليل دون أن يتقرب إلى الله تعالى
وإليك أخيتي نماذج من أحوال السلف الصالح في قيام الليل:
قال رجل لإبراهيم بن آدهم رحمه الله: إني لا اقدر على قيام الليل فصف لي الدواء فقال إبراهيم {لا تعصيه بالنهار لِيُقيِمك في الليل, فإن وقوفك بين يديه شرف عظيم, والعاصي لا يستحق هذا الشرف...
كانوا يعدون أن الوقوف بين الله عزّ وجل في الليل شرف عظيم .
وكان أحد السابقين اسمه الحسن بن صالح باع جارية له لأحد الناس , فلما انتصف الليل عند سيدها الجديد, أخذت تصيح وتقول: الصلاة الصلاة فاستيقظوا وقالوا: أذن الفجر أذن الفجر, فقالت: سبحان الله وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة, والله إني جئتكم من عند قومٍ يصلون المكتوبة ويصلون قبلها ركعات, ثم رجعت إلى سيدها الأول وقالت له: لقد بعتني لقوم لايصلون إلا المكتوبة , ولا يصومون إلا المكتوبة فردني إليك , فردها إليه.
وقيل أن سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقوم من الليل حتى يطلع الفجر,فإذا طلع الفجر وضع رجليه على الحائط حتى ينزل الدم إلى باقي جسمه,وذلك من كثرة وقوفه أمام الله عزّ وجل.
كانوا يرون أن لذة العبادة ولذة العمر تكون في التعبد لله عزّ وجل.
أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى إمام زاهد: قال له ابنه عبد الله يا أبتِ متى ترتاح , كل يوم في صلاة وقراءة قران ، فقال له , يابني أتدري متى أرتاح قال له ابنه: متى؟ قال: أرتاح إذا وضعت أولى قدميّ في الجنة. فقد كانوا يرون أن لا راحة إلا بعد أن يصلوا إلى ماعند الله عزّ وجل .
فهذا أخيتي هو حال السلف الصالح مع قيام الليل فما حالنا نحن اليوم ......؟
والله إن الإنسان لو لم يجد إلا قيام الليل يبث شكواه إلى الله
عزّ وجل , ويقوم من نومه ويصلي ويكبر ويقرأ... والله أن دمعة واحده تخرج بصدق وبقلب محب لله خائفاً وجلاً من الله لعلها هي المنجية من عذاب جهنم.
فهناك أخيتي أسباب ميسرة لقيام الليل بعد الله عزّ وجل فهي نوعان:
أ- أسباب حسية ب- أسباب قلبية
ومن الأسباب الحسية:
1-ألا يكثر الإنسان الأكل فإذا أكثر من الأكل أكثر من الشرب وإذا أكثر من الشرب أكثر من النوم وأثقل عليه القيام.
أن معقل رحمه الله تعالى رأى قوماً بعد العشاء يأكلون كثيراً فنظر إليهم فقال: ما أرى هؤلاء يريدون أن يصلوا الليل .
أي:أن الذي يريد قيام الليل فعليه أخيتي أن يخفف من عشاءه.
2-القيلولة: فإن الإنسان إذا نام بالنهار وخصوصاً قبيل الظهر تعينه بعد الله سبحانه وتعالى على الاستيقاظ آخر الليل.
3-التدرج في قيام الليل,بأن يقوم الإنسان ساعة أو ساعتين أو ثلاث ثم يفتر بعد ذلك فعليه أولاً أن يبدأ بركعتين قبل الفجر فإذا رأى في نفسه تحسناً زاد من ذلك على قدرحماسه.
4-اجتناب المعاصي:إذا أذنب الإنسان بالذنب فيحرمه الله الطاعة أو قد يُيسر له الطاعة ولكنه يحرمه اللذة.
ويكفي قول سفيان الثوري رحمه الله تعالى:{ حُرمت قيام الليل ستة أشهر وذلك بسب ذنبٍ أذنبته}
ب _الأسباب القلبية:
1-سلامة القلب لجميع المسلمين,بأن ينام الإنسان وقد صفّى قلبه من الحقد والغل فلا يجعل في قلبه لا حقداً ولاحسداً لأحدٍ من المسلمين.
2- الشوق إلى لقاء الله عزّ وجل والشوق إلى مناجاة الله تعالى , وأن يعرف فضل قيام الليل.
والله يا أحبه أن الذي يتأمل في حياة السلف الصالح أنه كان من أقوى الأمور وأقوى البواعث التي تعينهم على قيام الليل هو شوقهم إلى لقاء الله عزّ وجل وإحساسهم باللذة في ذلك.
سُئل الحسن البصري ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهاً فقال:{ لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نوراً من نوره}
وأخيراً أخيتي: أعلمي أن العبد يقطع منازل السير إلى ربه بقلبه وهمته لا ببدنه,فيجب أن يكون لنا وقت مع ربنا من الليل نناجي الله سبحانه وتعالى...
فنسأل الله تعالى أن يرزقنا قيام الليل وأن يرزقنا لذة مناجاته إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم على الرسول الأمين عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم
· المصـــدر*
-موقع صيد الفوائد
- برنامج فضل قيام الليل
للشيخ محمد العريفي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق